فصل: مسألة النصراني يمثل بعبده والعبد مسلم أو نصراني:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة يعتق نصيبه من عبد بينه وبين شريكه:

قال: وسألته: عن الرجل يعتق نصيبه من عبد بينه وبين شريكه وهو معدم لا مال له، فيقول الشريك: أعتقوه عليه كله بالقيمة وأنا أرضى أتبعه به دينا عليه، فقال المعتق: لا أفعل ولا أرضى أن أتبع بشيء يكون علي دينا، وما أعتقت نصيبي إلا للذي علمت أنه لا يعتق علي غيره لعدمي، وما أردت أن أتبع بشيء من الدين، أيلزم عتقه كله أم لا؟
قال: لا يلزم عتقه كله، ولا يتبع بشيء، وتلك السنة.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة في بعض الروايات في أثناء المسألة المتقدمة بعد قوله فيها: ويسوغ للسيد تعجيل أخذ نصيبه، فكتبتها بعدها لاتصال بعضها ببعض، وقد حكى ابن أبي زيد عن ابن المواز أنه يقوم عليه وإن كان عديما، ويتبع بالقيمة ويعتق العبد، وقول ابن المواز هو القياس على ظاهر الحديث أن العبد كله يقوم عليه فيلزم المعتق نصف ذلك، وهو المشهور في المذهب؛ لأن المعنى في ذلك أنه قد أدخل فسادا على شريكه بعتقه لحصته، إذ ينقص ذلك من قيمته، وأما قول ابن القاسم إنه لا يقوم عليه إذا كان عديما إلا برضاه فيأتي على قياس القول بأن المعتق لحصته من العبد لم يتعد على شريكه بما صنع، فلا يلزمه إلا نصف قيمته على أن نصفه حر، وهو ظاهر ما مضى في أول سماع يحيى من هذا الكتاب، ودليل ما في كتاب جنايات العبد من المدونة من قول ابن القاسم وقول غيره في كتاب أمهات الأولاد، وبالله التوفيق.

.مسألة الحالف بحرية عبده أن لا يبيعه:

وقال في رجل سأل رجلا أن يبيعه عبده، فقال: هو حر إن بعتكه، وقال الآخر: امرأتي طالق إن لم أشتره منك، ثم باعه منه: إن العبد يعتق وتطلق امرأة الحالف ليشرينه، قال: وذلك لأن البيع وقع والحنث معا، فيعتق العبد بذلك، ونظر في اشتراء الحالف بالطلاق فلما رأى أن اشتراءه لم يتم له إذا عتق العبد وجب عليه الحنث لأن اشتراءه لم يكن بعد اشتراء إذ لا يثبت عليه ولا يتمسك به وهو ينقض عليه على صغار منه، فأما إذا كان البيع هكذا فالحنث لازم له؛ لأنه لا سبيل له إلى اشترائه أبدا إذا أعتق.
قال محمد بن رشد: قد قيل في الحالف بحرية عبده أن لا يبيعه: إنه لا شيء عليه إن باعه، قاله عبد العزيز بن أبي سلمة، وهو القياس؛ لأنه إن انعقد البيع فيه صار معتقا لما في ملك المشتري، وإن لم ينعقد فيه لم يلزمه شيء، فعلى هذا القول لا يكون على واحد منهما في هذه المسألة شيء؛ لأن الشراء يصح للمشتري، ووجه القول بأنه يعتق على البائع وإن لم يتم فيه البيع لوجوب عتقه به، هو أن الحنث يدخل بأقل الوجوه، كمن حلف أن لا يبيع عبده فباعه بيعا فاسدا أنه يحنث به وإن نقض البيع فيه ورد عليه، ولما وقع البيع والعتق معا، قال سحنون: إن المال يبقى للبائع ولا يكون تبعا للعبد كالعتق، وفي قوله نظر، لأن الذي يتناول على المذهب أن العتق وقع بأول البيع قبل تمامه، إذ لو تم البيع فيه لما لزم العتق، وإذا وقع العتق قبل تمام البيع وجب أن يكون المال تبعا للعبد، ووجه قوله أنه لما قصد إلى عتقه بالبيع، وحكم البيع أن يبقى المال فيه للبائع صار كأنه قد استثناه، وذلك بين من إرادته؛ لأنه قال: إن المال يكون للبائع؛ لأن البيع أوجب العتق، فصار البائع أولى بالمال من العبد، هذا نص قوله، وبالله التوفيق..

.مسألة باع وقد حلف أن لا يبيع:

وقال في الرجل يحلف بحرية جارية له إن باعها فتصدق بها على ابنة له في حجره ثم يريد بيعها لابنته في بعض مصلحتها: إنه إن باعها لزمه الحنث فعتقت عليه، وغرم القيمة لابنته.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، لأنه باع وقد حلف أن لا يبيع، فوجب أن يحنث إلا أن تكون له نية أو يكون ليمينه بساط يدل على أنه إنما حلف ألا يبيعها ليتمول ثمنها وينتفع به، وبالله التوفيق.

.مسألة يقول أحد عبيدي حر وله عبيد:

وقال في الرجل، يقول: أحد عبيدي حر، وله عبيد: إنه يقال له: أعتق من شئت ولا شيء عليك غير ذلك، وسئل: عنها سحنون وذكرت له هذه الرواية من قول ابن القاسم وما روى عنه عيسى أنه يقرع بينهم، فقال: أنا أقول بكلا القولين، أقول بما روى يحيى بن يحيى أن يكون ورثته بمثابة إذا اجتمعوا على الرضا بعتق واحد منهم، فإذا اختلفوا قلت بما روى عيسى أنه يقرع بينهم فأعتقت أحدهم بالسهم.
قلت: فإن مات قبل أن يعتق منهم أحدا وإنما كان قال ذلك في صحته، قال: يصير ورثته بمنزلته يعتقون أيهم أحبوا كما كان ذلك للميت، وليس هو بمنزلة الذي يوصي سيدهم أن يعتق رأس منهم ولا ينصه بعينه، ولأولئك مسألة قد فسرنا هنالك، وقال في رجل يقول وله نسوة إحدى نسائي طالق ولم ينو واحدة منهن: إنهن يطلقن عليه جميعا.
قال: وأما إن قال أحد عبيدي حر وله مماليك ولم ينو واحدا بعينه: إنه يقال له أعتق من شئت منهم، وإن مات ولم يعتق منهم أحدا قيل لورثته قد نزلتم منزلته فأعتقوا من بدا لكم منهم.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة أن الطلاق لا يختار فيه، بخلاف العتق، وقد روى أبو عبيد عن مالك: أن الطلاق يختار فيه كالعتق وليس بينهما فرق بين في القياس.
ووجه التفرقة في ذلك بين العتق والطلاق أن العتق يصح فيه التبعيض، بخلاف الطلاق. وقد مضى في رسم باع شاة من سماع عيسى القول مستوفى في مسألة العتق هذه فلا وجه لإعادته.

.مسألة كاتب جميع رقيقه فلم يجز ذلك الورثة:

قال يحيى: قلت لابن القاسم: أرأيت إن كاتب جميع رقيقه فلم يجز ذلك الورثة والثلث يضيق بهم أليس يعتق من كل واحد منهم ثلثه؟ قال: بلى.
قلت: ولم لا يقرع بينهم في الثلث؟ قال: أرى إذا قطع لهم الورثة الثلث أن يسهم بينهم فيه كالموصى لهم بالعتق.
قال محمد بن رشد: نفى القرعة أولا ثم رجع إليها آخرا، فهو اختلاف من قوله، فوجه القول بها القياس على الوصية بالعتق، لأنه وإن كان الأصل كتابة فقد عاد ذلك إلى العتق، ووجه المنع منها أن القرعة في القياس غرر فلا تكون إلا حيث جاءت فيها السنة، وهي الوصية بالعتق، فقاس عليها ابن القاسم العتق في المرض لاتفاقهما في المعنى؛ لأنه في الحالتين جميعا عتق من الثلث، والكتابة بخلاف ذلك.
وأشهب وأصبغ لا يريان القرعة، إلا في الوصية خاصة، وابن نافع لا يقول بها إلا إذا لم يكن للميت مال غيرهم اتباعا لظاهر الحديث، فهي ثلاثة أقوال، وإجازتها في الكتابة قول رابع، وبالله التوفيق.

.مسألة حلف بعتق رقيقه وهوصحيح ثم يقوم عليه الغرماء:

وقال في رجل حلف بعتق رقيقه وهو صحيح ثم يقوم عليه الغرماء وفي قيمة رقيقه فضل عن دينه: إن الدين يفض على العبيد: قيمتهم، فيباع من كل واحد منهم بقدر ما صار على قيمته من الدين حين فض عليهم، ثم يعتق منهم ما بقي.
وتفسير ذلك أنهم إن كانوا ثلاثة عبيد قيمة أحدهم خمسمائة والآخر ثلاثمائة، والثالث مائتان وكان الدين مائة دينار قسمت المائة الدينار على الألف الدينار التي هي قيمة العبيد، فما صار على المائة دينار من المائة الدين نظرت كم ذلك من المائتين؟ فإن كان عشرا بعث عشر رقبة وعتق ما بقي، كذلك يصنع بالثاني والثالث فيما يصير على قيمة كل واحد من المائة الدين إذا قسمت على جميع قيمتهم، وعلى هذا الحساب يقسم كل ما كان من هذا الوجه.
قال: وإن كان أعتق بعضهم قبل بعض بيع الآخر فالآخر حتى ينفذ الدين ثم يعتق ما بقي.
قال: وإن أوصى بعتاقتهم أجمعين ولا مال له غيرهم وعليه من الدين ما لا يحيط برقابهم أقرع بينهم أيهم يباع للدين ثم أخرج ثلث ما بقي بعد ما بيع للدين فإذا عرف مبلغ الثلث أقرع بين العبيد الباقين أجمعين أيهم يعتق في الثلث، فإن اقتسموا أثلاثا فبسبيل ذلك، وإن لم ينقسموا أثلاثا أقرع بينهم الأول فالأول حتى يستكمل إخراج الثلث في قيمة من يخرج سهمه للعتاقة.
وإن كانوا مدبرين في كلمة واحدة وعليه من الدين ما لا يحيط بجميعهم بيع من كل واحد منهم بقدر ما يصير على قيمته من الدين، ويعتق منه ثلث ما بقي، وإنما يقسم الدين على قيمتهم على ما فسرت لك في الذين يعتقون في الصحة وعلى المعتق من الدين ما لا يحيط بجميعهم ولا يسهم بينهم للبيع في الدين ولا بعد إخراج الدين للعتاقة، ولكن يباع من كل واحد ما ينوبه ويعتق منه ثلث ما بقي بعدما بيع منه للدين يتحاصون في الثلث، ولا يقرع بينهم فيه.
قال: وإن كان دبر بعضهم قبل بعض بيع للدين الآخر فالآخر، فإذا قضي جميع الدين عتق في الثلث الأول فالأول ولا يحاص بينهم ولا يسهم بينهم، ولكن يبدون في العتاقة على قدر ما بدأ بهم السيد في التدبير، ويباع الآخر فالآخر للدين كما كان أخرهم السيد في التدبير.
قال: والموصى لهم بالتدبير والمدبرون في الصحة في هذا الوجه سواء.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة جيدة حسنة بينة على مذهبه في المدونة من أن القرعة إنما تكون في الوصية بالعتق إذا لم يحملهم الثلث، فيعتق منهم مبلغ الثلث بالقرعة، وكذلك إن كان عليه دين ولا مال له سواهم وقد أوصى بعتاقتهم أجمعين يسهم بينهم أيهم يباع في الدين ثم يسهم بينهم أيهم يعتق في ثلث ما بقي بعدما بيع منهم في الدين، وكذلك المبتلون في المرض سواء على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، وقد ذكرنا الاختلاف في ذلك في تكلمنا عن المسألة التي قبلها.
وأما المدبرون في الصحة أو في المرض أو في الوصية بعد الموت فلا قرعة فيهم ولا فيمن يباع منهم في الدين إن كان على الميت دين ولم يكن له مال سواهم، وإنما يباع منهم في الدين بالحصص أيضا، وكذلك إذا أعتق عبيده في صحته وعليه دين لا يحيط بهم لا يقرع بينهم فيمن يباع منهم في الدين، وإنما يباع منهم بالحصص، ووجه العمل في ذلك أن يعرف ما يقع للدين من قيمتهم، فإن كان الثلث أو الربع أو التسع أو العشر بيع من كل واحد منهم ثلثه أو ربعه أو تسعه أو عشره قلت قيمته أو كثرت، وهو الذي قاله في هذه الرواية، وإن كان في كلامه التباس فهذا معناه، وذلك أنه قال: وتفسير ذلك أنهم إن كانوا ثلاثة عبيد قيمة أحدهم خمسمائة والآخر ثلاثمائة والثالث مائتان وكان الدين مائة دينار قسمت المائة دينار على الألف دينار التي هي قيمة العبيد، فما صار على المائة الدينار من المائة الدين نظرت كم ذلك من المائتين، فإن كان عشرا بعت عشر رقبة، وكذلك تصنع بالثاني والثالث إلى آخر قوله، وموضع الالتباس من قوله، قوله فيه قسمت المائة الدين على الألف التي هي قيمة العبيد، لأن قسمة القليل على الكثير إنما هي بأن يعرف ما يقع منها بالتسمية على ما ذكرناه.
وقوله أيضا فما صار على المائة الدينار من المائة الدين إذ لا حاجة بنا أن نعرف ما يقع من الدين على كل مائة من قيمة العبيد، وإنما نحتاج أن نعرف ما يقع جملة الدين من جملة قيمة العبيد فيباع ذلك الجزء من كل واحد منهم على ما قلناه، ولابن نافع في المدنية أن المدبرين في المرض يقرع بينهم، كما يقرع بين الموصى بعتقهم وبين المبتلين، وبالله التوفيق.

.مسألة النصراني يعتق عبدا له ثم يريد بيعه:

من كتاب أوله يشتري الدور والمزارع للتجارة قال يحيى: قال ابن القاسم في النصراني يعتق عبدا له ثم يريد بيعه: إنه لا ينبغي للإمام أن يمنعه من بيعه إن شاء، لأنهم يستحلون في دينهم مثل هذا، وإنما صولحوا على أن يقروا على دينهم.
قلت: فإن أسلم العبد المعتق قبل أن يرجع السيد في عتقه؟ قال: إن كان يوم أعتقه برئ منه وخلى سبيله فصارت حاله حال الأحرار فلما أسلم وهو بتلك الحال أراد النصراني سيده الرجوع فيه فليس ذلك له، وإن كان لم يزل في يديه من يوم أعتقه يستخدمه بحاله التي كان عليها عبدا حتى أسلم العبد وهو في يدي الذي أعتقه وفي خدمته فإن له أن يرجع في عتقه فيسترقه إن شاء ولا ينتفع السيد بإسلامه لأنه يقول إنما قولنا لعبيدنا أنتم أحرار لا نعدل شيئا ولا يلزمنا به في ديننا عتق أحدهم، ولم يزل هذا العبد في يدي وخدمتي بعد أن قلت هو حر حتى أسلم، فليس إسلامه بالذي يوجب له عتقا لم أكن أجزته له ولا رضيت بإتمامه له، ومثل ذلك عندي ومما يبينه أن النصراني لو طلق امرأته البتة ثم أراد حبسها لم يمنع منها، فإن حبسها بعد الطلاق البتة ثم أسلمت فأرادت أن يلزمه ذلك الطلاق لم يكن ذلك لها، لأنه أمر قد قطعه عن نفسه في دينه بما يجوز له إذا حبسها بعد ذلك، فإسلامه لا يوجب لها طلاقا قد قطعه عن نفسه في دينه، وحبسها بعده، فهو إذا أسلمت إن أسلم في عدتها كان أحق بها ولا يعد الطلاق الذي كان أولا شيئا، قال: ولكن إن كان يوم طلقها البتة خلى سبيلها حتى انقطعت منه وبانت عن حالها تحته ثم أسلمت فأراد ارتجاعها لم يمكن من ذلك لما قد تبين من تخلية سبيلها وبراءته منها ثم أراد أن يعتقها بالارتجاع بعد إسلامها فليس ذلك له.
قال: والعبد المعتق إن كان خلى سبيله يوم أعتقه فلما أسلم المعتق أراد المعتق ارتجاعه فليس ذلك له.
قلت: فالمدبر يدبره النصراني وهو على دينه ثم يسلم العبد المدبر فيريد سيده نقض التدبير والرجوع فيه؟ قال: ليس ذلك له إلا أن يرجع في تدبيره وهو نصراني مثله لم يسلم، فأما بعد أن أسلم المدبر فلا سبيل له إلى الرجوع فيه وإلى استخدامه ولكنه مخارج عليه.
قلت: فما فرق بين المدبر يسلم بعد التدبير فلا يكون للسيد أن يرجع فيه، والمعتق يسلم بعد العتاقة فيكون للسيد أن يبطل عتقه ويرتجعه؟
قال: لأن المعتق لما لم يزل في خدمته وعمله وبحاله التي كان عليها عبدا قلنا لن يبرأ المعتق منه فيلزمه ببراءته منه عتاقة العبد، وإنما صار حابسا له ومستخدما فكان قوله هو حر ليس بقول لأنه يلزمه في دينه، فإسلام العبد الآن لا يزيده في خدمته ولا يوجب له عتاقة لم تظهر له من سيده ببراءة منه ولا تخلية سبيل، قال: والمدبر إن كان حابسا له لم يخرجه من خدمته، فإن المدبر يعذر بأن يقول إنما جعل لي شيئا بعد موته فكيف كنت أجد سبيلا إلى أن أبين بنفسي أو أنقطع عنه بخدمتي فإذا جعل لي... قبل أن يموت أراد نقضه لإسلامي، ولم يكن وجب لي عتق معجل ففرطت في استحقاقه ولا بين الرجوع منه في تدبيري قبل إسلامي فما يسقط حقي عني في حكم الإسلام؟ وأنا من أهله فبماذا يقدر مع ما مضى في ذلك من قول مالك وهو أحق من اتبع.
قلت: فمكاتبة النصراني أيجوز له الرجوع فيما عقد من كتابته؟
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أن للنصراني أن يرجع في عتق عبده النصراني ما دام على النصرانية، لا يمنع من ذلك، وإن كان لما أعتقه قد كان خلى سبيله وخرج عن خدمته مثل قول ابن القاسم في كتاب المكاتب من المدونة خلاف دليل قول مالك في كتاب... وذلك له إذا لم يخرجه من يده يدل على أن له أن يرجع في عتقه بعد إسلامه إن كان لم يخرجه من يده، خلاف ما في كتاب المكاتب من المدونة.
فتحصيل المسألة أنه إذا أعتقه وخلى سبيله فخرج من خدمته، فلما أسلم أراد أن يرجع قي عتقه لم يكن ذلك له باتفاق، وإن كان أعتقه ثم أراد أن يرجع في عتقه وهو على دينه قبل أن يخرجه عن يده كان ذلك له ولم يمنع منه باتفاق، وإن خلى سبيله وأخرجه عن خدمته ثم أراد أن يرجع في ذلك قبل إسلامه كان ذلك له على ظاهر هذه الرواية، ولم يكن ذلك له على ما في كتاب الجنايات من المدونة من دليل قول مالك، وإن كان أعتقه ثم أراد أن يرجع في عتقه بعد أن أسلم ولم يكن خرج عن خدمته كان ذلك له على ما في هذه الرواية ولم يكن ذلك له على ما في كتاب المكاتب من المدونة والتدبير، بخلاف ذلك له أن يرجع فيه قبل إسلامه لا يمنع من ذلك، وليس له أن يرجع فيه بعد إسلامه قولا واحدا، وقد بين ابن القاسم الوجه في ذلك بما لا مزيد عليه.
والكتابة في ذلك كالتدبير سواء على ما قاله في المدونة، ولم يقع لها في هذه الرواية جواب، وبالله التوفيق.

.مسألة يحلف أن كل عبد يبتاعه إلى سنة فهو حر:

وسألته: عن الرجل يحلف أن كل عبد يبتاعه إلى سنة فهو حر فيشتري كتابة مكاتب قبل انقضاء السنة التي حلف إليها.
قال: ينتظر بالمكاتب، فإن أدى لم يكن عليه حنث، وإن رق عتق عليه ولزمه الحنث فيه.
قلت: أرأيت إن عجز المكاتب بعد انقضاء السنة، قال: يعتق عليه ولزمه الحنث فيه.
قلت: أرأيت إن عجز المكاتب بعد انقضاء السنة؟ قال: يعتق عليه أيضا، لأنه عقد اشتراءه في السنة التي حلف بحرية ما يشتري فيها.
قال محمد بن رشد: سحنون يقول: إنه لا حنث عليه إن لم يعجز حتى انقضت السنة، وقول ابن القاسم أظهر لأنه إنما ملكه بعد السنة بما عقد فيه قبل السنة، فذلك عنده بمنزلة من تزوج في العدة ودخل بعد العدة، وفي ذلك اختلاف قد مضى تحصيله في موضعه، ولا اختلاف في أنه يعتق عليه إذا عجز في السنة، وبالله التوفيق.

.مسألة السفيه يعتق أم ولده أيتبعها مالها:

وسئل: عن السفيه يعتق أم ولده أيتبعها مالها؟
فقال: لا أرى ذلك لها، لأن عتقها لم يمض على تجويز العتاقة، وإنما أمضاه مالك لأنه رأى العتق قد كان سبق إليها بالولادة، فلما أعتقها كان إنما ترك ما كان له من الاستمتاع بها، فلذلك رأيت لا يتبعها مالها، لأني رأيت إن أتبعها مالها كنت قد جوزت للسفيه القضاء في ماله، قال ابن وهب: مثل ذلك، وقال سحنون مثله تافها كان أو غير تافه لأنه لا يتبعها مالها.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف ما مضى من قول مالك في رسم العتق من سماع أشهب، وقد مضى هنالك القول على ذلك، وبالله التوفيق.

.مسألة السفيه يمثل بعبده أيعتق عليه:

قال يحيى: قلت لابن القاسم: فالسفيه يمثل بعبده أيعتق عليه؟ قال: لا، ووجه ما يأخذ به أن أنظر إلى كل من إذا ابتدأ عتاقه جاز عتقه فإنه إذا مثل أعتق عليه، وكل من إذا ابتدأ عتاقه لم يجز عتقه، فإنه إذا مثل بعبده لم يعتق عليه، وسئل ابن وهب عن السفيه يمثل بعبده، فقال: أرى أن يعتق عليه، قيل له: أفيتبع العبد ماله؟ قال: لا، قيل له: فالمرأة تمثل بخادم لها لا تملك غيرها فيرد الزوج عتقها؟ قال: لا يكون للزوج هاهنا رد، وإنما وقع العتق عليها بحكم قد مضت سنته فهي بالمثلة عليها حرة رضي الزوج أو كره، قال سحنون في مثلة المرأة ذات الزوج بعبدها أو بخادمها وقيمتها أكثر من ثلث مالها: لا أرى أن يعتق عليها وذلك مثل عتقها، وكذلك قال لنا ابن القاسم.
قيل لسحنون: فالعبد يمثل بعبده؟ قال: لا يعتق عليه، وهو قول ابن القاسم والذي يمثل بعبده فلا يعتق عليه حتى يموت فلا يعتقون عليه بعد الموت.
قال يحيى: قلت لابن القاسم: فالمريض يمثل بعبده في مرضه؟ قال: يعتق عليه في ثلثه فإن صح فمن رأس ماله، قيل له: فالمديان الذي لا مال له إلا العبد وليس فيه وفاء لما عليه يمثل به؟ قال: لا يعتق عليه، ولو جاز مثل هذا لمثل المفلس بجميع عبيده فأعدم الناس أموالهم واستفاد بذلك موالي يعتقد ولاءهم.
قال محمد بن رشد: اختلف في السفيه والعبد والمديان والمرأة ذات الزوج يمثلون بعبيدهم، فقيل: إنه لا يعتق على واحد منهم عبده بالمثلة إلا أن يجيز ذلك للمديان غرماؤه وللمرأة ذات الزوج زوجها، وهو مذهب ابن القاسم في هذه الرواية على ما أصله فيها من أنه لا يعتق بالمثلة إلا على من يجوز له عتق عبيده، ونص قوله في الواضحة على ما حكاه ابن حبيب عنه وهو أيضا مذهب سحنون في هذه الرواية، لأنه إذا قال ذلك في المرأة ذات الزوج فأحرى أن يقوله فيمن سواه منهم لأن أبعدهم من أن يعتق عليه بالمثلة المديان الذي لا وفاء عنده بدينه إلا العبد الذي مثل به للعلة التي ذكرها في الرواية من أنه يتهم في أن يمثل به ليعتق عليه فيكون له ولاؤه ولا يأخذه الغريم، ويليه العبد لقوة تحجير سيده عليه، وإذ قد قيل إنه لا يملك وإن ماله لسيده، ويليه السفيه للإجماع في أنه يحجر عليه في جميع ماله لقول الله عز وجل: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ} [النساء: 5] وتليه المرأة ذات الزوج لأن الزوج إنما يحجر عليها في ثلث مالها، وقد قيل إنه لا تحجير له عليها في شيء منه، فمن قال إنه لا يعتق على المرأة ذات الزوج عبدها بالمثلة إذا لم يحملها ثلثها أو لم يكن لها مال سواه فأحرى أن يقول ذلك فيمن سواها من المذكورين، وهو مذهب سحنون على ما ذكرناه، ومن يقول إنه يعتق على المديان عبده بالمثلة وإن كان الدين مستغرقا له فأحرى أن يقول ذلك فيمن سواه من المذكورين وهو قول أشهب، ومن يقول ذلك في السفيه وهو قول ابن وهب في هذه الرواية فأحرى أن يقوله في المرأة ذات الزوج وقد لا يقوله في العبد ولا في المديان، ومن يقول ذلك في العبد فأحرى أن يقوله في السفيه وفي المرأة ذات الزوج وقد لا يقوله في المديان.
فيتخرج على هذا في جملتهم خمسة أقوال:
أحدها: أنه يعتق على كل واحد منهم عبده بالمثلة.
والثاني: أنه لا يعتق على واحد منهم بها.
والثالث: أنه لا يعتق على واحد منهم بها عبده إلا على المرأة ذات الزوج.
والرابع: أنه يعتق بها على المرأة والسفيه ولا يعتق بها على العبد ولا على المديان.
والخامس: أنه يعتق بها عليهم كلهم إلا على المديان، وإذا أعتق على العبد بها عبده على القول بأنه يعتق عليه فولاؤه لسيده لا له، قاله ابن حبيب في الواضحة.
واختلف فيمن أعتق منهم عليه عبده بالمثلة على القول بأنه يعتق بها عليه، هل يتبعه ماله أم لا؟ فروي عن ابن القاسم في السفيه أنه يعتق عليه عبده بالمثلة ولا يتبعه ماله وهو قول ابن وهب في هذه الرواية، وروى ابن المواز عنه أن ماله يتبعه، قال: وأظنه قول أشهب لأنه روى عن مالك في السفيه يعتق أم ولده أنها تكون حرة ويتبعها مالها خلاف قول ابن القاسم.
وأما إذا أعتق على المالك لأمر نفسه عبده بالمثلة فإنه يتبعه ماله ولا اختلاف أحفظه في ذلك، ويكون له ولاؤه، وقد قيل: إنه لا يكون له ولاؤه، ويكون لجماعة المسلمين، وولاؤه على ظاهر ما روي عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ من قوله: «من حرق عبده بالنار أو مثل به مثلة فهو حر وهو مولى الله عز وجل ورسوله»، قال الليث: وهذا أمر معمول به، فظاهر قوله أن الولاء لا يكون له، قال ابن المواز: والقياس في السفيه أن لا يعتق عليه بالمثلة، ومن قال إنه يعتق عليه بها لم أعب قوله، والذي أقوله به أن القياس أن يعتق على كل واحد منهم عبده بالمثلة حاشا المديان، لأنها جناية توجب العتق بالسنة، وذلك من حق العبد، فوجب أن يحكم له بحقه على كل واحد منهم كما لو جنى على غيره، ألا ترى أن المرأة ذات الزوج والسفيه لو قتلا عبدا لأحد لكانت قيمته في أموالهما، ولو قتل العبد عبدا لأحد لكانت جنايته في رقبته وماله، فعبده إذا مثل به أحرى أن يعتق عليه، ولا يلزم هذا في المديان، لأنه لو جنى على أحد بقتل عبده لم يكن المجني عليه أحق بجنايته من الغرماء، والقياس إذا لم يتهم في تمثيله به لجر ولائه أن يحاص الغرماء بقيمته، فيعتق منه بقدر ذلك.
وقوله في الرواية في الذي يمثل بعبده فلا يعتق عليه حتى يموت: لا يعتق عليه بعد الموت- بين صحيح، لأن عتقه عليه بالمثلة عقوبة له، فلو أعتق عليه بعد الموت لكانت الورثة هم المعاقبون بفعله، وأما المريض إذا مثل بعبده فيعتق عليه في ثلثه إن مات من مرضه، لأن الثلث له حيا وميتا، وإن صح فمن رأس ماله كما قال، ولا اختلاف في هذا أحفظه، وبالله التوفيق.

.مسألة النصراني يمثل بعبده والعبد مسلم أو نصراني:

قيل لسحنون: ما تقول في النصراني يمثل بعبده والعبد مسلم أو نصراني؟ فقال: كان أشهب يقول يعتق عليه ما مثل من رقيقه كفارا كانوا أو مسلمين، وكان ابن القاسم يأبى ذلك ويقول لا يعتق على النصراني ما مثل من عبيده النصارى، لأن النصراني لو أعتقه ثم باعه لم أعرض له، قال أصبغ: قال ابن القاسم: ولو مثل النصراني بعبده بعد أن أسلم لعتق عليه.
قال محمد بن رشد: واتفقا جميعا ابن القاسم وأشهب في الحربي المعاهد ينزل بأمان فيمثل بعبده أنه لا يعتق عليه، وهو قول مالك في رسم العتق من سماع أشهب، ويأتي على ما حكى ابن حبيب عن أصحاب مالك أنه يعتق بالمثلة على كل واحد منهما، وقول ابن القاسم أنه لا يعتق على واحد منهما هو الأظهر، لأن العتق بالمثلة إنما هي عقوبة لحرمة المسلم، فوجب أن لا يعتق عليه بالمثلة إلا أن يمثل به بعد إسلامه سواء كان ذميا أو معاهدا كما قال ابن القاسم.
ولو مثل المسلم بعبده النصراني لعتق عليه لأنه حكم بين مسلم ونصراني، فيحكم فيه بحكم الإسلام، ووجه قول أشهب أنه حمل الحديث بالعتق على من مثل بعبده على العموم في المسلمين والكفار من أهل الذمة، وبالله التوفيق.